عمر السهروردي
86
عوارف المعارف
ولم يزل في خراسان منهم طائفة ، ولهم مشايخ يمهدون أساسهم ، ويعرفونهم شروط حالهم . وقد رأينا في العراق من يسلك هذا المسلك ، ولكن لم يشتهر بهذا الاسم ، وقلما يتداول ألسنة أهل العراق هذا الاسم . فقال : لأني إن حضرت يظهر على وجد ، ولا أوثر أن يعلم أحد حالي . وقيل : أن أحمد بن أبي الحواري قال لأبي سليمان الداراني : إني إذا كنت في الخلوة أجد لمعاملتي لذة لا أجدها بين الناس ، فقال له : إنك إذا لضعيف . فالملامتى وإن كان متمسكا بعروة الإخلاص ، مستفرشا بساط الصدق ، ولكن بقي عليه بقية رؤية الخلق ، وما أحسنها من بقية تحقق الإخلاص والصدق . والصوفي صفا من هذه البقية في طرفي العمل والترك للخلق ، وعزلهم بالكلية ، ورآهم بعين الفناء والزوال ، ولاح له ناصية التوحيد ، وعين سر قوله : وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 88 ) « 1 » . كما قال بعضهم في بعض غلباته : ليس في الدارين غير اللّه . وقد يكون إخفاء الملامتى الحال على وجهين : أحد الوجهين لتحقيق الإخلاص والصدق . والوجه الآخر وهو الأتم لستر الحال عن غيره ، بنوع غيره ، فإن من خلا بمحبوبه يكره اطلاع الغير عليه ، بل يبلغ في صدق المحبة أن يكره اطلاع أحد على حبه لمحبوبه .
--> ( 1 ) سورة القصص آية : 88 .